لا تنسوا مأساة إخوانكم السعداء khaled kassab
مشكلتنا أننا ننسى.. ومع الوقت نفقد دهشتنا من معجزة مجيئنا إلى تلك الحياة أو دراما رحيلنا عنها.. لذلك اسمحلى عزيزى القارئ أن أذكرك بتلك اللحظة التاريخية الفاصلة فى حياتك.. عندما كانت الممرضة تمسكك من رجلك زى الفرخة المسلوقة بينما تتدلى رأسك لأسفل وأنت لاتزال حتة لحمة حمرا.. وإسمحلى أكلَّح عليك أكثر.. وأذكرك بها وهى تهزك وتخبطك على مؤخرتك وانت مش عارف تفتح بقك.. حتى انطلق صوتك بالعياط ولعلعت وأوأتك فى جنبات عنبر الولادة بالمستشفى.. وجلجلت زغاريد الأهل والأقارب ابتهاجاً بتشريفك وهم يهنئون أباك وأمك.. لا يتبقى من المشهد سوى رأسك الصغيرة وهى تطل من داخل بشكير أبيض كبير ملفوف حولك بإحكام.. وبشر كثيرون يناولونك لبعضهم البعض وهم يعلقون.. «بسم الله ما شاء الله».. وهنا يدور أول تساؤل أزلى فى اللاوعى بتاعك.. «أنا فين؟!.. وإيه المخلوقات الغريبة اللى عمالة تبحلق فيا دي»؟!
هكذا.. يبدأ تاريخك الرسمى كبنى آدم على قيد تلك الحياه.. بالعياط والوأوأة وعدم الفهم.. فأما بالنسبه للعياط فإنه يقل تدريجياً مع الوقت كنتيجة منطقية لكمية الدموع اللى بالهبل التى أهدرتها فى طفولتك بمنتهى السفه.. وأما الوأوأة فتختفى تماماً على أساس إنه عيب تبقى شاب طول بعرض وتوأوأ.. أو تبقى بنوته جميله وتوأوأى.. أما بالنسبة لعدم الفهم فيظل كما هو قائماً طالما ظللت شخصاً طبيعياً هادئاً زيك زى بقية مخاليق ربنا ولم تعد الحياة تدهشك.. أما بقى إذا حبيت تعمل فيها بُرَم وحاولت أن تفهم.. وركزت أكثر مع التفاصيل والعلامات.. فسوف تصل إلى ما توصل إليه «شوبنهاور».. سوف تكتشف أن كل شيء لا يلبث إلا لحظة ثم يسرع فى طريقه إلى الموت.. وسوف تتعجب من حقيقة أن الخبرة والتجربة بمجرد تحولهم إلى حكمة.. يبدأ المخ والجسم عموماً فى التدهور بفعل الشيخوخة.. وسوف تستطيع بعدها أن تدرك أن الحياة ما هى إلا موت.. نستمر طوال الوقت فى مقاومته !
تلك المقاومه ليس لها سوى سبيل واحد.. الإبحار فى محيط روحك لإعادة إكتشاف نفسك والوصول إلى أى حكمه نهائيه من تلك الحياه قبل الرحيل عنها.. وطالما قررت الإبحار فى محيط روحك.. فإن الاحتمالات جميعها واردة بنسب متساوية تماماً.. فقد تسير رحلتك على ما يرام.. وقد تهب عاصفة مفاجئة تقلب الليلة رأساً على عقب.. قد تكتشف أرضاً جديدة غير مأهولة بعد.. وقد لا تكتشف شيئاً على الإطلاق.. قد تصل.. وقد لا تصل.. كل الاحتمالات واردة.. المهم.. ألا تدع دفة المركب تفلت من يدك.. وألا تنظر للوراء.. وأن تستمر فى التقدم للأمام مهما حدث.. فطالما عزمت أمرك وأعددت عدتك وأبحرت تجاه المجهول ناوياً المغامرة.. إذن فلتكن مغامرتك مغامرة بجد.. مغامرة تخوضها للنهايه وانت تعلم جيداً أن المهم فيها ليس هو الوصول من عدمه بقدر ما المهم هو أن تخوضها بمنتهى الصدق مع نفسك أولاً !
أثناء رحلتك سوف تنتابك نوبات عارمة من الحزن.. حاول التأقلم معها.. رحب بها عندما تأتى.. فهى ضمانتك الوحيدة التى تستطيع أن تثبت بها لنفسك أنك لا تزال تتنفس وتعيش.. «أنا حزين.. إذن أنا أعيش» !
إعلم أن مغامرتك الداخلية الاستكشافية ليست بغرض المتعة أو النزهة أو الاجازة.. إنها قدرك الذى ينبغى عليك ألا تهرب منه.. إنها رحلتك الإجبارية بحثاً عن رحيق الحياة التى تعيشها.. تألم واستمتع.. صاحب وفارق.. حب وسيب واتساب.. افعل كل هذا.. ولكن.. إعلم أنك فى النهاية سوف تعود إلى منزلك الهادئ الصامت.. وعندها.. لن يكون معك شيء سوى نفسك وحزنك.. لهذا.. فلتسترح الآن.. ولتكمل مغامرتك فى الصباح بحثاً عن الحياة.. ست الحزن والجمال !
سئل أفلاطون عن الحياة فقال.. «أتيت إليها مضطراً.. وعشت فيها متحيراً.. وها أنا أخرج منها كارهاً.. ولم أعلم فيها إلا أننى لا أعلم».. كائنات قادمة من مكان تجهله.. وذاهبة إلى مكان تجهله.. منطقى جداً أن يشعر العقلاء منهم بالحزن !
تحية من القلب إلى كل البشر الحزانى.. ولكن لا تنسوا مأساة إخوانكم السعداء.. لهذا.. إذا قابلتم شخصاً سعيداً.. خذوا بيديه.. عاملوه برفق.. ساعدوه.. أجلسوه على كرسى فى الشمس.. فهو مسكين.. لم ينل بعد شرف أن يكون حزيناً !
انا ابن للطبقة الوسطي، اشعر بالرضا كوني انتمي الي تلك الطبقة، والرضا هنا لا ينبع من ايمانا عنصريا بهذه الطبقة دون غيرها، لكن الانتماء الي تلك الطبقة يجعلني ادين لها بوعيي الذي شكلته وادراكي وضميري، وشعوري بالمسئولية. لو خيرت الف مرة الي اي طبقة كت اود الانتماء لأخترتها مجددا.
حتي مع وجود مغريات وجدانية ومادية…مغريات وجدانية نابعة من شعور بالمسئولية نحو طبقة اقل، ومغريات مادية تحمل معها الحلم بالارتياح والتخلص من عناء وشقاء يومي يكابده ابناء تلك الطبقة ومن هم ادني منها…لكن حتي مع وجود الاغرائيين..فانا لازلت راضيا عن انتمائي الي تلك الطبقة .
كثيرا ما اضع نفسي امام سؤالا اطرحه عليها.. في غرفة مغلقة، اسألها بصراحة..دون مواراة او خجل حيث لا احد مضطلع علينا، و لا مجال للخشية من اجابة قد تبدوا انسانية في نظر البعض او انانية وذاتية في اعين اخرين..اسأل نفسي ما الذي تريده مستقبلا؟ فتقفز الاجابة في ذهني بلا تردد او حسابت مخفية: ان احقق انجازا لي ولمن حولي، وان اعيش مستورا…لا امد يدي لاحد مهما كانت الظروف…هذا ليس زهدا…او نفورا عن متع الدنيا يستدعي الاشادة بقدر ما اراه “رضا”…
انتمائي لتلك الطبقة اتاح لي الفرصة لادراك انا ما تملكه اليد من امورا زائدة عن حاجتها اللاساسية تزهده النفس مع الاعتياد..هذا ليس من قبيل الحكمة..لكني حقا لست مهتما ان امتلك سيارة لادا او هيونداي او مرسيدس، او ان استقل المترو، او اتوبيسا عاما، فقط ما اريده هو الشعور بالادمية، والا اكون مستهلكا علي الصعيدد الجسدي او الروحي يوميا..كذلك لا اهتم ان املك هاتفا حديثا بقدر ما اهتم ان يتسع اي هاتف لارقام بالجملة تعجز ذاكرتي التي تنسي كثيرا علي الاحتفاظ بها..لا اهتم بأن املك بيتا او قصرا..فقط اريد ان اشعر بالامن واحترام خصوصيتي وانسانيتي..وحماية نفسي ومن اهتم لامرهم من نظرات واعين تتفحص وتعري في نظرة واحدة.
الانتماء الي تلك الطبقة اتاح لي ادراكا ووعيا، لا اعتقد انه كان سيتوفر لشخصا مثلي ان لم يكن ينتمي الي تلك الطبقة…حيث تكون اغلب علاقاتي واقعة في مساحة التماس بين تلك الطبقة وما يلهيا اسفل او اعلي..ان تكون بين من يملك ومن لا يملك..بين من يتألم من العمل ومن يتألم من الملل..
انتمائي الي تلك الطبقة كان كاشفا لي بالمشاهدة عن كيفية تحول الانسان الي ترس في مكنة لا ترحم،تحولا مدفوعا بخوف وفزع من سقوط الي درك معيشي اقل…او مدفوعا برغبة في الصعود الي درجة اعلي..هنا يتحول الانسان الي تترس في الة..تسيطر علي كل مسارات حياته بعدها..تحول ما هو لازم وضروري الي شكليات لا نراها ونحن في طريقنا نحو الهدف الوحيد كي نتحاشي السقوط..وتحول تدريجي ايضا لما هو من كماليات ورفاهيات االي اهداف متراكمة ككرة الثلج، تحول بدورها دقات الساعة الي منبه لا يتوقف..لا يكف عن تذكيرك بان هناك المزيد والمزيد ينتظر الانجاز.
نحطم باقدامنا في الطريق امورا كثيرة، يخفت الشعور بالحب وتتحلل العلاقات الانسانية..ويخفت معها الاحساس بالجمال والذوق والابداع..تتناقص القدرة علي الفهم والتأمل والتفكير والادراك ، كل هذا يتراجع لصالح البحث عن مزيد من الدخل، والانشغال بجداول يومية مرتبطة بالادخار او سداد الديون..يصبح الزواج وبناء اسرة جزءا من خطة روتينية وجزء من حسبة عملية اكثر من كونها حسبة وجدانية..ويصبح الحفاظ علي العلاقات الانسانية مرده روتين وفعل اضطراري ورسمي…وهكذ تستمر الدائرة بلا توقف، وتورث المشاعر نفسها للابناء وربما الاحفاد ، اما الخروج عنها فهو يقتضي شجاعة وجراة غير عادية كون الامر غير مضمون النتائج.
وانا صغير كنت اراقب امي وبراعتها الحسابية في التوفيق بين الاقساط المستحقة لقروض عدة وجمعيات سنوية لا تتوقف، وقدرتها كامهر مدير مالي في اجراء تغطياتها المالية لقرض بجمعية او العكس في ظل ظروف اسرية صعبة…لم تتغير نوعية الملابس التي كنا نرتديها قبل وفاة ابي، ولم يتبدل االمستوي االمعيشي او الاستجابة لطلباتنا، بالعكس كانت هناك رغبة مشفوعة بطموح امومي نحو ابنائها بتوفير المزيد، واتقاء نظرة عطف من اخرين قد تجرح مشاعر ابنائها..وهكذا نشأنا دون ان ندرك الا متاخرا كيف تحولت امراة مثلها الي ماكينة دائمة للحساب…حافظت تلك المرأة الماهرة علي المستوي المعيشي نفسه، كل ما بذلته من عناء يومي علي مدار سنوات، وكل خططها اليومية كانت مرتبطة لا شعوريا بهذا الهدف، الذي تفوقت عليه قليلا.
ابي مات قبل ان يستمتتع بالسيارة التي ادخر سنوات لشرائها، وصارت حلما لاسرة سكندرية من اربع افراد تنتظرها بطفولة كي تجوب بها الكورنيش ذهابا واايابا تحت مطر الشتاء، عاد يوما مخذولا، خذله مرضه الذي يقتضي جراحة باهظة الثمن، وحاجته للمال وبالتالي عدم قدرته علي تحقيق الحلم…بل وحتي حلم البقاء حيا..كونه ينتمي لتلك الطبقة التي كما قلنا اختياراتها في سبيل البقاء بكرامة محدودة جدا
بالرغم من كل هذا فان تلك الطبقة لازالت تحتفظ بقدرتها علي التأثير وان خفتت، فالطبقة المطلعة علي التناقض المجتمعي والثقافي الواسع قد يتولد لدي بعض الهارين من ماكينتها وعيا يتطور ان توافرت لديهم نصيبا كافيا من المعرفة يسوقه القدر، يحركهم الي مساحة اوسع للنظر والتفكير والبحث، ثم الي شعور بالمسئولية قد يكون مصحوبا بطموح شخصي او قد يكون مجردا، غير ان الوجود في مساحات التماس تلك قد يكون ايضا مصدرا للادعاء وعدم الاتساق مع النفس..فهناك ما يشد للتمسك بالمألوف والمعتاد والمستقر عليه، او الرغبة في ان يصبح الفرد جزءا من طبقة او فئة تخالف ذلك..تملك نصيبا من الثروة والمعرفة ومظاهر التفوق التي لا تتاح لمن هم ادني.
او قد يحدث العكس علي صعيد اخر، مزيجا من قيم المحافظة والانفتاح قد تخلق صيغة وسطا،اكثر رحابة في التعامل مع بقية المجتمع واكثر حيازة لمساحات مشتركة في التعامل معهم، ويالتالي فتلك الطبقة ليس معزولة عن الطبقتين الاخرين . بل قد يوفر لابناء تلك الطبقة حصنا قد يسنطيع الصمود فترة لا بأس بها في وجه الافكار الراديكالية بنقيضيها..
لكن هناك ايضا التطور المعرفي للمثقفين من ابناء تلك الطبقة والذي بحكم ما يطلعون عليه من تناقضات قد يجعل لديهم مساحة واسعة من التناقض علي الصعيد العملي، عدم القدرة علي تطبيق القناعات علي ارض الواقع بل وعلي انفسهم هم حتي..فهناك جزءا في اعمق نقطة في الاذهان يحمل افكارا محافظة حتي وان سعي اللسان الي نفيها او انكارها، حتي ان الشعور بالذنب واللوم من الضمير يظل مرافا لتصرفات الجيل الاصغر من ابناء تلك الطبقة وهم يحاولون التمرد علي العادات والتقاليد وما استقر عليه المجتمع..عند ثورتهم علي ما حولهم.
المسئولية وعدم القدرة علي التنصل منها حتي علي الصعيد الشعوري كانت كثيرا مصدرا للمعاناة والازعاج بالنسبة لي، كما يقول الاديب علاء الديب “يدان مقيدتان واقدام مغروسة في الوحل”، اسعي جاهد لتغيير كل ما يحيط بي او الاحتججاج كحد ادني فاهدر كل ما املكه من طاقة نفسي بالمنطق الانساني اولي بها، علي القل لتغيير واقعي المعيشي او حمايتي انا ايضا من هبوط اضطرااري قسري.
الشعور بالمسئولية عادة ما يجعلك باحث دائم عن صيغة وسط بين نفسك ومن حولك، بين ما تريده انت وما يريده هم..اولوياتك وحقوقهم المنزوعة من قبل غيرك…طاقتك كثيرا ما تحرمها علي نفسك، وتراها كثيرة عليك، فتمنحا لغيرك وتوجهها نحو مسئوليتك عنهم..فترتبك جداولك اليومية وميزانيتك الشهرية واهدافك وطموحاتك الشخصية…كثيرا ما اقضي ايامي بالحد الاددني من كل شيء..اخر شرطة بنزين في السيارة، واخر شرطة في شحن الهاتف، واخر بصيصا للامل بداخلي، حتي الحب قد تفقده في زخم هذا الزحام والصخب ولا يتبقي منه الحد الادني.
دائما هناك مشاريع مؤجلة، حلما بالتحسن الاقتصادي، حلما بعملا اضافيا يشبع قدرة داخلية لديك في انتظار ان تتفجر…حلما بحب تحلم ان تعطيه مساحات الاولوية في حياتك…حلما لمزيد من الادراك والمعرفة والوعي، حلما بمزيد من التواصل الاسري الذي ربما يكون القدر اسرع منه، حلما بمزيد من التأمل في الناس والبشر والعالم المحيط وشجره يحركها الهواء بجوار نافذتك ليلا
حلما بالاجابة علي اسئلة لا تنتهي وتحتاج الي اعمار اضافية ومضاعفة للاجابة عنها، عن نفسي وروحي وقلبي وجسدي وديني…عن السياسة والجنس، عن الخير والشر، عن اصل الاشياء وحقيقة الاخلاق والقيم..عن مفهوم الوطن وسبب الوجود نفسه…لكن هذا هو الثمن الذي يدفعه المثقف راضيا او غير راضيا..ثمنا منطقيا في مقابل الاختيار.
يارب حل الامور كلها من عندك يارب
ابه الكأبة ديه كلها؟؟؟!!؟